ابن أبي الحديد

337

شرح نهج البلاغة

فأما أمير المؤمنين علي عليه السلام ، فإذا نظرت إلى كتب الحديث والسير ، لم تجد أحدا من خلق الله ، عدوا ولا صديقا روى عنه شيئا من هذا الفن ، لا قولا ولا فعلا ، ولم يكن جد أعظم من جده ، ولا وقار أتم من وقاره ، وما هزل قط ولا لعب ، ولا فارق الحق والناموس الديني سرا ولا جهرا ، وكيف يكون هازلا ، ومن كلامه المشهور عنه : ( ما مزح امرؤ مزحا إلا ومج معها من عقله مجة ) ! ولكنه خلق على سجية لطيفة وأخلاق سهلة ، ووجه طلق ، وقول حسن ، وبشر ظاهر ، وذلك من فضائله عليه السلام ، خصائصه التي منحه الله بشرفها ، واختصه بمزيتها ، وإنما كانت غلظته وفظاظته فعلا لا قولا ، وضربا بالسيف لا جبها بالقول ، وطعنا بالسنان لا عضها باللسان ( 1 ) ، كما قال الشاعر : * * * وتسفه أيدينا ويحلم رأينا * ونشتم بالافعال ، لا بالتكلم [ فصل في حسن الخلق ومدحه ] فأما سوء الخلق فلم يكن من سجاياه ، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله : ( خصلتان لا يجتمعان في مؤمن : البخل وسوء الخلق ) . وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ( 2 ) ، وقال أيضا : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ( 3 ) . وقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله : ما الشؤم ؟ فقال : سوء الخلق . وصحب جابر رجلا في طريق مكة ، فأذاه سوء خلقه ، فقال جابر : إني لأرحمه ، نحن ، نفارقه ويبقى معه سوء خلقه !

--> ( 1 ) يقال : جبهت فلانا ، إذا خاطبته بما يكره . والعضه : الرمي بالكذب البهتان ( 2 ) سورة القلم 4 ( 3 ) سورة آل عمران 159